الحقيقة، ومدى إحاطة الفيلم بها، تحدٍ كان يواجه صُناع الأفلام الوثائقية، فالفيلم الوثائقي كان دوما موضع نقاش بين من يراه نقلا للواقع كما هو، وبين ما يراه فنا إبداعيا مشروطا برؤية المخرج. وحدود الحقيقة تواجه اليوم تحديا أصعب بعد أن حل الذكاء الاصطناعي ضيفا ثقيلا في عالم صناعة الأفلام، ومع تطوره وسهولة استخدامه لم يعد الأمر مقتصرا على توظيف أدواته لتسهيل عملية الإنتاج، بل بكونه جزءا من البناء الوثائقي وتكوين الصورة والأرشيف والمؤثرات والصوت وتأليف الموسيقى، وفي أحيان كثيرة بصناعة فيلم كامل باستخدام أدواته.
وقبل عصر الذكاء الاصطناعي، كان الكثير من المخرجين، وتحديدا رواد السينما، وثائقية كانت أم روائية، يضعون أنفسهم أمام أسئلة كثيرة حول شكل الفيلم ورسالته وعن المشاعر فيه ومدى ارتباطه بالإنسان الذي تُروى حكايته، لذا تنوعت المدارس والأساليب في السيناريو والتصوير والمونتاج وكان لكل مخرج بصمته الخاصة التي تُميزه عن غيره. فالأفلام لم تكن فنا من أجل الترفيه، بقدر ما كان مهما الأثر الذي تتركه في المشاهدين.
"فاشية عادية"
عندما كان المخرج السوفييتي ميخائيل روم بصدد إخراج فيلمه "فاشية عادية"، في بداية ستينيات القرن الماضي، واجه تحديين رئيسيين. فمن جهة، وجد نفسه أمام كمّ هائل من المواد الأرشيفيّة التي أنتجها النظام النازي ووسائل إعلام ألمانية وجيوش الحلفاء وأرشيفات خاصة، ومن جهة ثانية، اصطدم بالمعضلة المعتادة التي يواجهها صناع الأفلام، وهي معضلة إعادة بناء أحداث الفيلم.
أراد روم بداية اتباع مونتاج "الأتراكسيون" (أو كما يُسمى: مونتاج الجاذبية) الذي ابتكره المخرج السوفييتي سيرغي إيزنشتاين، ويقوم، على ربط لقطات منفصلة ومتباينة لإنتاج صدمة مباشرة وإحداث توتر لدى المتفرج مما يقوده في النهاية إلى استنتاج فكري أو اتخاذ موقف محدد. إلا أن روم رأى في هذا النمط من المونتاج شكلا مبالغا فيه لإيصال فكرته.
قد يعتبر البعض أن من العبث البدء برسومات الأطفال ومن ثم لقطات من حياة عادية، لكن هذه البداية غير المتوقعة كانت مفتاحا لإشراك الجمهور عاطفيًا، قبل الغوص في المأساة، مع مونولوج صوتي يعكس القيم الإنسانية وعن تفاصيل الحياة اليومية، فلم تكن الصدمة مباشرة بقدر ما تكونت نتيجة تراكم الصور.
وكي يخرج روم من إطار الصدمة الحادة في مونتاج "الأتراكسيون"، تمثّل الحل في التخلي عن طريقة السرد التاريخي الخطي أو المتتالية، حتى لا يكون الفيلم مجرد محاضرة سينمائية تاريخية. فعمل على تنظيم وترتيب المواد الأرشيفية وفق مجموعات كبيرة متجانسة ووفق المواضيع؛ فاجتمع لديه مائة وعشرون موضوعًا من مثل: لقطات واسعة للذين يصرخون تأييدا للنظام النازي، خطابات هتلر، الجموع الراكضة، مسيرات عسكرية، الجثث، الجرحى، إلى آخر القائمة الطويلة من المجموعات المتجانسة، واتضح لديه أكثر شكل الفيلم.
وبلغ الطول الإجمالي لهذه المواد، التي صُوّرت على شرائط سينمائية، بعد أول تجميع لها أربعين ألف متر ثم وصلت إلى خمسة عشر ألف متر، ومع تركيبها، وفق مبدأ التصادم المتباين بين المَشاهد فإن كثيرا من هذه المواد كما يقول روم "عزلت نفسها بنفسها واختفت".
المخرج السوفييتي ميخائيل روم: " إن الدعاية عندنا ستعتني بأن تعرض من خلال الصور أكبر عدد ممكن من الأعمال الوحشية، وستعمل بالتأكيد على أن يحتوي الملف على صورة نسر ذي مخلب مليء بالدم أو على صورة جمجمة ترتدي خوذة فاشية – كل هذا سوف يكون. ينتظر الناس بماذا سنبدأ؟ ونحن نبدأ من قط يضحك على الشاشة رسمه، بالمناسبة، حفيدي. عندما سألته لماذا يضحك القط، أجاب: لأنه التهم فأرا" (1)
قد يعتبر البعض أن من العبث البدء برسومات الأطفال ومن ثم لقطات من حياة عادية، لكن هذه البداية غير المتوقعة كانت مفتاحًا لإشراك الجمهور عاطفيًا، قبل الغوص في المأساة، مع مونولوج صوتي يعكس القيم الإنسانية وعن تفاصيل الحياة اليومية، فلم تكن الصدمة مباشرة بقدر ما تكونت نتيجة تراكم الصور.
أراد روم أن يتمكن المتفرج، بعد أن يرتاح ويضحك من "أن يتقبل القسم الثاني المأساوي، والذي يبتدئ رأسا بحديث جاد جدا، حول كيف تحول الفاشية الإنسان وما الذي يستطيع فعله الإنسان الذي تحول إلى فاش". (2)
لم يكن الهدف فقط هو إنجاز فيلم وثائقي مؤثر قادر على إحداث الصدمة، بل ألا يغلق المتفرج عينيه من هول ما يراه على الشاشة وأن يدرك أن ما يشاهده ليس سوى جزءا من الماضي. في هذا الفيلم فرض المخرج رؤيته وفلسفته، واستغرق العمل عليه عدة سنوات، حتى يخرج بصورته النهائية واضعا المتفرج داخل مسار عاطفي متقلب يدفعه للتفكير.
ما علاقة هذا بالذكاء الاصطناعي؟!
قد يبدو سؤال: "هل يمكن للذكاء الاصطناعيّ أن ينوب عن ميخائيل روم، في الوصول إلى مثل هذا التناول لفكرةٍ تقتضي وعيا خاصا؟" سؤالًا بديهيًا من جهة، وسطحيًا من جهة أخرى، وذلك إذا ما ولجنا إلى عمق آلية تفكير الذكاء الاصطناعي.
والسؤال الآخر الذي يطرح نفسه هنا: هل يمكن أن يخرج من جيل نشأ على الذكاء الاصطناعيّ - ذلك الجيل الذي لم نتعرف على ملامحه بعد - مُخرج يغوص إلى أعماق النفس البشرية ويجد الحلول، حتى لو عبر أدوات الذكاء الاصطناعيّ بحيث تستطيع تقليب صفحات وعيه على غرار صفحات الرسم الشفافة التي كانت تخرج منها المشاهد الكرتونية في صناعة الرسوم المتحركة أو تقمص مزاج مزاجه وحيرته أمام تعدد اختياراته التي تتبدل بحسب اللحظة التي تفرضها مشاهدة كل صورة وكل لقطة؟
اليوم، سيقول المؤمنون بالذكاء الاصطناعي بأن من الأسهل استخدام الأدوات التقنية لتجميع اللقطات وفرزها وتصنيفها، بل وتقييم مدى جودتها وصلاحيتها للعرض، ويمكن للمخرج أن يوفر على نفسه عناء وقت طويل من العمل، وأن يذهب أبعد من ذلك وفق قوالب مونتاج جاهزة لبناء السردية التي تضع المتلقي أمام المعنى والرسائل التي يُراد تمريرها. وقد ينجح الأمر بخلق فيلم مبني على التباين والتشويق لخلق الصدمات المطلوبة اعتمادا على قوة اللقطات نفسها.
أما المُشكّكون، فسيرون في استخدام مثل هذه الأدوات تهميشا لدور المخرج وإلغاءً لبصمته وتقييدا لإبداعه، وستُقلل من الاستناد على مشاعره التي تؤثر عليها كل لقطة يشاهدها بنفسه ويرى فيها ما لا يراه غيره وتفرض عليه همّا يوميا وتفكيرا متواصلا ومتغيرا حول شكل الفيلم قبل أن يصل إلى صورته النهائية. فالمشاهدة لا تنبع من تحليل البيانات، بل من وعي إنساني وأحيانا كثيرة معايشة شخصية، بل واندماج المخرج بموضوع فيلمه، قبل أن يبدأ بكتابة السيناريو. فماذا إن كان هذا الفيلم تجسيدا لمعاناة المخرج نفسه؟
في فيلم"مشاهد من الاحتلال في غزة"، والذي أنتجته جماعة السينما الفلسطينية في مركز الأبحاث الفلسطينية عام 1973،
جمع مخرجه مصطفى أبو علي لقطات صوّرها صحفيون ومخرجون أجانب لتخدم رواية الاحتلال ثم عمل على توليفها ومنتجتها لنقل واقع المعاناة اليومية التي يعيشها أهل قطاع غزة. هذا الفيلم - الذي يعتبره الكاتب والناقد بشار إبراهيم "أحد أهم الأفلام التسجيلية القصيرة التي أنجزتها سينما الثورة الفلسطينية"(3) - هو نتاج قضية لا يتبناها المخرج فقط، بل من واقع فهمه العميق للمعاناة التي عاشها ويعيشها شعبه.
بالعودة إلى الجدل حول الحقيقة، وماذا كان سيفعل ميخائيل روم في زمن يمكن فيه توليد الصور والأصوات بالذكاء الاصطناعي لو لم يتوفر هذا الكم الهائل من الأرشيف؟ وكيف كان سيكتب سيناريو فيلمه أو يتخيله؟
إن كتابة سيناريو فيلم وثائقي تعني، كما يقول المخرج الأمريكي باري هامب "التفكير في الصور، بمعنى أن تتخيل نفسك جالسا في مقعد صالة سينمائية تنظر إلى الشاشة" (4).
يعيدنا ذلك إلى جوهر النقاش والجدل الدائم عن دور المخرج وأمانته في نقل الواقع ومدى صدق الحقيقة في أفلامه.
"روح" الفيلم الوثائقي..
في الفيلم الوثائقي، ليس الاهتمام بالتقنية هو الأساس، بل الأهم فهم الطبيعة المعقّدة والمركبة له، ومدى قدرة المخرج على إنتاج مواقف وأسئلة تمسّ الإنسان وقضاياه المختلفة وبحيث لا يُستبدل المعنى بالإبهار الذي يتشكل من أدوات الذكاء الاصطناعي، وألا يُعاد اختلاق الواقع على حساب الحقيقة.
إن الاهتمام بالشكل على حساب المضمون، دون فهم وإدراك أن لكل فيلم حكايته الخاصة، بما فيه من مشاعر لناسه ولمخرجه يترك فيه جزءاً من روحه، سيخلق أفلاما مفرغة من الروح تحكمها الآلة لا الإنسان.
ومن فينا لم يشاهد فيلما مبهرا بجمال صورته وتقدّم تقنيّاته، لكنه شعر بأنه "بدون روح". ويصعب هنا توضيح ماهية الروح لأنها مرتبطة بجوانية الإنسان ومشاعره وأحاسيسه وارتباطه مع مخرج الفيلم في التفكير والتأمل.
يقول روم عن فيلمه (فاشية عادية): "الفيلم مبني باعتباره تأملا فلسفيا للمؤلف، يُوسع أطر المادة الوثائقية، ويجبره على التفكير في مصائر الإنسان والإنسانية ضمن المجالات العميقة المعاصرة جدا. لقد ألفت نص الفيلم بنفسي، إنه لم يكن مكتوبا، لقد ولّفنا الفيلم كعمل فني صامت، وعلّقت على نحو مرتجل، على مقاطع كبيرة، دون أن أعني بالتزامن ودون أن أركض وراء المؤثرات الوثائقية - النمطية. وكما لو كنت أفكر بالمادة، وأدعو المتفرج للتفكير معي. إن هذه الوسيلة بالذات- التأليف بين المونتاج الفني المشبع بالعلاقة العاطفية، وبين مونولوج المؤلف- هو ما أدى، حسب وجهة نظري إلى تميز الفيلم..". (5)
في الفيلم الوثائقي، ليس الاهتمام بالتقنية هو الأساس، بل الأهم فهم الطبيعة المعقّدة والمركبة له، ومدى قدرة المخرج على إنتاج مواقف وأسئلة تمسّ الإنسان وقضاياه المختلفة وبحيث لا يُستبدل المعنى بالإبهار الذي يتشكل من أدوات الذكاء الاصطناعي، وألا يُعاد اختلاق الواقع على حساب الحقيقة.
والارتجال يتعارض جذريا مع منطق الذكاء الاصطناعي، الذي يعمل على تقديم نصوص وإجابات واضحة أو سردا قائما على قوالب وأنماط محددة، أي أن السيناريو فيه ليس حيا يخضع للتغيير كل لحظة. فالسيناريو "بناء حيّ، هشّ، متغير دائما" بحسب المخرج السوفييتي أندريه تاركوفسكي والفيلم بالنسبة له “لا يأخذ شكله النهائي إلا لحظة اكتمال العمل". (6)
الذكاء الاصطناعي وعقل المخرج
في الفيلم الأمريكي "ترومان شو" (صدر عام 1998)، يحكي قصة خيالية لترومان بربانك الذي يعيش حياة تبدو طبيعية قبل أن يكتشف أن عالمه بأكمله - ومنذ ولادته- ليس سوى مجرد استوديو لبرنامج تلفزيوني يبث على الهواء مباشرة وكل من حوله ممثلون، ليبدأ في التمرد على هذا الواقع المصطنع. يصل الفيلم إلى ذروته عندما يحاول الهرب، فيخاطبه المخرج آملا في إقناعه بالعودة "أنا أعرفك أفضل من نفسك"، ليرد عليه ترومان "ليست لديك كاميرا في رأسي".
هذا الحوار يمكن إسقاطه على تجربة الذكاء الاصطناعي، وما إذا كان يستطيع الولوج إلى عقل المخرج، وهل يمكن اختزال كل ما في ذهنه وفق قوالب ونماذج مصطنعة تحمل عنه عبء المعنى الذي يبحث عنه في أفلامه.
الارتجال يتعارض جذريا مع منطق الذكاء الاصطناعي، الذي يعمل على تقديم نصوص وإجابات واضحة أو سردا قائما على قوالب وأنماط محددة، أي أن السيناريو فيه ليس حيا يخضع للتغيير كل لحظة. فالسيناريو "بناء حيّ، هشّ، متغير دائما".
هناك دائما مساحة غامضة من الشكّ والتفكير في وعي المخرج لا تقاس بالمحاكاة التقنية، والروح في الأفلام لا تُوّلد بالأدوات المتطورة. والفيلم الجيد كما يقول المخرج الأمريكي أورسون ويلز "لا يمكن أن يكون جيدا إلا إذا كانت الكاميرا عين في رأس شاعر"(7)، وقوة الفيلم لا تأتي سوى من الحسّ الإنساني لمبدعه.
اليوم، يمكن للذكاء الاصطناعي أن يجمع آلاف المشاهد المصورة، من غزة أو السودان مثلا، وأن يفرزها ويصنفها تحت مواضيع عدة، وأن يخلق صورا اصطناعية وينجز مشاهد كاملة قريبة من الواقع، لكن هل يستطيع منح المتفرج تجربة إنسانية تعكس الرابط العميق بين المخرج وفيلمه، مثل أن يبدأ الفيلم بصورة قط يبتسم قبل مَشاهد الحرب؟
هذا الرابط العميق الذي يحمل رؤية المخرج ووعيه وإحساسه بالحدث هو ما يمنح الفيلم روحه ومعناه ويجعله أكثر قربا للمتفرج.
هل الذكاء الاصطناعي عدو لــ "الفيلم الوثائقي"؟
الفيلم الوثائقي قائم على علاقة ثقة بين مخرجه وجمهوره، ومع عالم الأدوات المتطورة الذي يحيط بنا، تتعرض هذه الثقة اليوم لاختبار كبير، مما يفرض حاجة ملحة للشفافية والإفصاح عن حدود الاستعانة بالذكاء الاصطناعي.
وما يمنح القيمة للوثائقي هو أصالته الموضوعية، وصِدق قصصه وصوره، أي قدرته على تقديم الحقيقة بأمانة، وليس بما يُمكن اصطناعه، ولا يعني ذلك إغفال تطور الذكاء الاصطناعي، فالمخرج الذي لا يواكب التطور سيطويه النسيان، خاصة وأنه قد فتح آفاقا مذهلة تسهل من عملية إنتاج الأفلام مثل: تسريع البحث، تفريغ النصوص وتحليلها، فرز الصور وتحسين جودتها، معالجة الصوت، إعادة بناء لقطات لأحداث قديمة لا يتوفر أرشيف عنها.
ولعل الإشكالية التي تطرح في مدى الاعتماد عليه، أي أن يتحول من مساعد إلى عقل بديل وأن يُعوّل عليه المخرج ليكون صانع رؤيته والمحرك الأساسي في بناء أفلامه، فتطغى التقنيات على المضامين والقصص. يقول المخرج الإيراني عباس كياروستامي "يمكنني أن أشاهد الأفلام وأتحدث عن مدى جماليتها من الناحية التقنية، لكنني لست معجبا بالتقنيات"(8).
المخرج الذي لا يكرّس نفسه للعمل على فيلمه منذ الفكرة ولا يستعرض اللقطات التي صوّرها ولا يتمعن فيها ولا يشاهد كل صورة في أرشيف فيلمه، ولا يفكّر في السيناريو لحظة بلحظة حتى يرى فيلمه النور، سيتخلى عن تجربة إنسانية فريدة قادرة على إشراك الجمهور في هذه التجربة عند مشاهدة الفيلم. وكمن يتنصل من المسؤولية الأخلاقية التي تفرضها الأفلام الوثائقية.
المراجع