فرض تطور منصات التواصل الاجتماعي كسر "احتكار الشاشة" الذي كان يمارسه التلفزيون والسينما سابقاً كنافذة عرض وحيدة للمنتَج الإعلامي بكافة أشكاله وأنماطه، وهو الأمر الذي فرضَ على المؤسسات الإعلامية والمنتجين الذهابَ نحوَ قالب الساعة التلفزيونية أو نصف الساعة التلفزيونية دونَ التورط في قوالبَ مُصغرة أو قصيرة جداً (من دقيقة إلى 10 دقائق).
ونظراً إلى هذه المعادلة القديمة، فقد لجأت المؤسسات - في بعض الأحيان- إلى تمديد المدة الزمنية دون حاجة أو إلى الحشو والتكرار؛ هرباً من إنتاج فيلم قصير لا يلبي شروط الشاشة، وكان المَخرَج الوحيد في هذه الحالة إنتاج أفلام قصيرة ضمن برنامج يقدّم في الساعة الواحدة عدة أفلام.
اليوم.. اختلفَ الإيقاع، وبُعث من جديد الفيلم الوثائقي القصير جدا أو المُصغَّر مستفيداً من تطور منصات التواصل الاجتماعي وتطور وسائل الإنتاج؛ فأصبح الموبايل قادراً على التصوير وتسجيل الصوت ثم المونتاج، فأفادَ ذلك منتجي البرامج والأفلام، وبالطبع.. التغطيات الإخبارية.
ورغمَ وجود مساحة مشتركة يستفيد منها قطاعي البرامج والأخبار، فإن ثمة مفترقَ طرق ينفصل فيه الفيلم عن الخبر؛ فكلاهما يستفيد من خوارزميات "الإيجاز"، وكلاهما مجبرٌ على فن التكثيف، إلا أن الخبر يرتبط بأحداث آنية ووظيفته الإخبار، وقد يكونُ تقريراً يُبث على منصات التواصل، وغالباً ما يكون في قالبٍ رأسي التصوير، مقابل الفيلم "الومضة الوثائقية" التي تسعى إلى ترسيخ الأثر الشعوري لدى المتلقي؛ لذا يهتمّ الفيلم القصير جداً بالجماليات، فتجد قالبه أفقيّاً لتصوير البيئة المحيطة بالقصة.
ووسطَ ركام الفيديوهات والمقاطع المصورة القادمة من أماكنَ شتى؛ من مؤسسات وأفراد، من مختصين وهواة، تشقُّ الفيشرات الإخبارية القصيرة المنتجة بشكلٍ احترافي طريقاً نحو الانتقاء في التقاط الأفضل ومعالجته فنيّاً في لقطات سريعة، مع كلمات تفسيرية وتوضيحية على المنصات لتتناسب مع المتلقي المُتَصَفِّح الذي يقلبَ الصفحات، يتوقف عند بعضها ويتجاوز بعضها الآخر، في حين أن الفيلم الوثائقي القصير جداً يبحثه عنهُ المتلقي المُشاهد الذي يريدُ أن يستمتعَ بجماليات الفيلم، أو يتعمقَ في مضامينهِ ورسائلهِ.
ساهم التحول الرقمي في خروج الوثائقيات القصيرة والأفلام القصيرة جدا من "شقِّ العزلة" "بعيدا عن احتكار الشاشات" للعرض؛ فكانت القدرة على تكثيف اللحظة العابرة والتقاطها ومعالجتها بشكل مبتكر كافيةً لجعل الحدث الآني أثراً باقياً في ذاكرتنا المصورة
الفيلم القصير جداً قد يكونُ صامتاً؛ بلا كلام من معلقٍ، وأذكر هنا فيلم "اغتيال جنة".. وهو ومضة وثائقية مدتها 43 ثانية، من تصوير منتجته مي محمد. يحكي الفيلم قصة طفل يركب عربة صغيرة يقودها في ممر شبه معتم، وهو يغني بصوته "جنة جنة ألله يا وطنا / يا وطن يا حبيب.."، ثم يتوقف فجأة في آخر الممر الذي ينتهي بباب يتكون جزء منهُ من الزجاج: لحظات صمتٍ قصيرة جداً – بضعُ ثوانٍ – ثم تبدأ عدسة الكاميرا بالاقتراب، يُصاحبها بعض الغباش الذي سببه ضبطُ العدسة، حتى نرى ظهر الطفل الذي لا ندركُ له ملامح واضحة، ويدهُ تتحسسُ ثقباً أحدثته رصاصةٌ في الزجاج. بث الفيلم على شبكة شام الإخبارية على موقع يوتيوب في العام 2012.
في هذا الفيلم، نتلمس البساطة الواضحة ذات الدلالة العميقة في المعنى، والفيلم مُكثفٌ يختزلُ الحالة السورية في تلك الفترة؛ شبه الظلام الذي ينتشر على جنباتِ ممرٍ ضيقٍ يرمزُ إلى الوضع الذي تمر بهِ بلادٌ أثخنتها الحرب. حركة الطفل على العربة المتأرجحة يميناً ويساراً في ممر مستقيم تشير إلى تخبطٍ وعدم استقرار. الوصول إلى آخر الممر وصمت الطفل عن إكمال الأغنية الشهيرة "جنة جنة" تعكسُ حالة صدمةٍ برصاصةٍ اخترقت الباب وأحدثت فيه ثقباً؛ كأنها تعبيرٌ عن حالةِ الوطن الذي ننشدُ لهُ أجمل الأغاني فنصابُ بخيبةٍ لواقع حاله. صمت الطفل الذي يتفقدُ الثقب في الباب شكّل النتيجة التي تتركُ المُشاهدَ أمام نهاية مفتوحةٍ على التأمل حول المآل الذي وصل إليه الحال. بهذا التكثيف والإيجاز وصلنا إلى ""اغتيال جنة"، والمقصود هنا اغتيال الوطن السوري.
ومقابل هذه الثواني المعدودة التي أوصلت إلينا حالة الشعور، يذهب قطاع الأخبار إلى سرد إخباري حول قصفِ حيٍّ أو اقتحام منزل أو اعتقال قياديٍّ أو ارتكاب مجزرة، وهكذا، وإن رَفعت بعض الأخبار - عبر الكلمة والصورة - حالةَ الشعور بالتعاطف إلا أن وظيفتها الأولى تنصبُّ على تغذية المُشاهد بالمعلومة.
تعنى الأفلام القصيرة بوصول المتلقي إلى حالة دهشةٍ ومتعةٍ فارقةٍ في تركيبِ الحكاية وإعادةِ صياغتها على نحوٍ يجعلهُ يتوقف ويعيد المشاهدة مجددا، ويفكر في المعنى. لذا أطلق البعض على الوثائقيات القصيرة جدا تعبير "سينما الهايكو"، و"الهايكو" أسلوب شعري ياباني يستخدمُ ألفاظاً بسيطة للتعبير عن معانٍ عميقة، وعادة ما يقعُ في ثلاثة أسطرٍ مع عدد قليلٍ من الكلمات، وقد تطوّره البعض ليكون في بيت واحد. نقرأ في "هايكو الحرب" المترجم عن الإنجليزية (1) الومضتين التاليتين:
يدٌ بتراء تحاولُ عبثًا أن تمسحَ الدموع
(سيلفا ميزيريت، سلوفينيا)
في القرية التي قُصِفَت
امرأة عجوز
تلعنُ بقاءَها حية
(زيلجكو فوندا، كرواتيا)
بهذه البساطة، تُعبِّر الومضات عن الحرب وما ينتج عنها دونَ تفاصيل، مع حمولات عالية من حالة الشعور، ودهشةٍ تدعو إلى التأمل، وهو الأمر الذي يسعى الفيلم القصير جدا إلى الوصول إليه؛ أعني تعميق حالةَ فرحٍ أو حزنٍ أو مشاعر مختلطة أو تفكير في ماهية الحالة!
من الأفلام القصيرة أيضا، أستحضر فيلم "بعيداً عن الوطن" (1969)، للمخرج والسينمائي العربي الراحل قيس الزبيدي الذي حمل الكاميرا وصور مخيم سبينة؛ الأطفال والنساء والرجال وحركة المجتمع، ثم أحضرَ أطفال مخيم سبينة (مخيم للّاجئين الفلسطينيين في سوريا) وعرض لهم الشريط المصور على شاشة تلفزيون، وراقبَ ردَّةَ فعلهم، فجاءت تعليقاتهم على نحوٍ من البراءةِ والدهشةِ حول هذا العالم الذي يشاهدونهُ لأول مرة، فبدأوا الحديث بعفوية؛ "هذا خالد.. هذه فائزة"، مع استرجاع لذكريات هنا أو هناك في ضوء ما يشاهدونه، وسطَ ضحكاتٍ تعكسُ درجةً عالية من الافتتان بهذا المشهد البصري.
تعنى الأفلام القصيرة بوصول المتلقي إلى حالة دهشةٍ ومتعةٍ فارقةٍ في تركيبِ الحكاية وإعادةِ صياغتها على نحوٍ يجعلهُ يتوقف ويعيد المشاهدة مجددا، ويفكر في المعنى. لذا أطلق البعض على الوثائقيات القصيرة جدا تعبير "سينما الهايكو"
نلاحظ في "بعيداً عن الوطن" أن المخرج أحدثَ تفاعلاً لدى الأطفال من خلال الصورة؛ وهذا يؤكدُ التأثير الذي يتركهُ المشهدُ البصري حينَ يتجاوز المعقول لدى المتلقي، ويقدمُ له الجديد والفريد من نوعهِ والمختلفَ عن السائد؛ فالأطفال يشاهدون أنفسهم وجيرانهم ومخيمهم للمرة الأولى، وقد قادَ ذلك إلى حالة من الضحك والاستغراب والدهشة.
الشق.. نظرة خاصة إلى الحياة والعزلة
وفي تجارب الفيلم القصير جدا، يُجسد فيلم "الشقّ" (أقل من 4 دقائق) لمخرجته السورية ريم الغزي (2) قدرته على التعبير عن فكرة العزلة بشكلٍ مكثف، لنرى عبره الحياة من زاويةٍ خاصةٍ لرجلٍ كبير في السن ينزوي في محلِّهِ الصغير والضيق، ناظرا إلى الشارع والمجتمع من خلال شقّ الباب.
نرى في لقطاتٍ مقربة جداً وجهَه ويده وهي تمسك بـ "المكوى". وبينما يعملُ في كي الملابس نسمعهُ يقول باختزالٍ: "الناس هنا متعبة، القرب منهم عذاب، والبعد عنهم رحمة".
وبإشارة مقتضبةٍ منه، نفهم أن لديه أسرة مكونة من أربع بنات وولدين فقدَ أحدهما وبقي الآخر؛ ولأن الناس تعاملوا معه على أنه أبٌ لولدٍ واحد، دخل في عزلته منذ ذلك الحين وقرر الانفصال عن الناس الذين نسوه مع تقادمِ الوقت.
يعزز شعورَ المتلقي بالعزلة بعضُ اللقطات لـ "العم سمير"؛ نراهُ يشاهدُ العالم الخارجي، يسمعُ أصواتَ سكان الحي الذي يعيشُ فيه، يستمعُ إلى أم كلثوم تغني "بعيد عنك.. حياتي عذاب"، وصولاً إلى حديثهِ المقتضب المكثف: "الناس توحّشت"، ثم الاستخدام الخفيف للإضاءة، وامتداد مساحة العتمة التي تشكّلُ جزءاً من كادرِ الصورة؛ لدرجة أن "الشاشة السوداء" تظهرُ في عدّةِ ثوانٍ بينما بطلُ الفيلم يتحدث، وضاعفَ هذا الشعور أيضاً استخدام الموسيقى.
15 عاماً من العزلة اختزلتها المخرجةُ في أقل من أربع دقائق، توضِّح لنا كيف يمكن تكثيفُ الفكرة بصريّاً والاشتغال عليها انطلاقاً من بعض الرمزيات مثل شقّ الباب، وأغنية أم كلثوم.
ساهم التحول الرقمي في خروج الوثائقيات القصيرة والأفلام القصيرة جدا من "شقِّ العزلة" "بعيدا عن احتكار الشاشات" للعرض؛ فكانت القدرة على تكثيف اللحظة العابرة والتقاطها ومعالجتها بشكل مبتكر كافيةً لجعل الحدث الآني أثراً باقياً في ذاكرتنا المصورة
وفي مجمل ما أشرت إليه سابقا، هناك مفاتيح في إنتاج الأفلام القصيرة والقصيرة جدا تساعد على أن يكون المُنتج مختلفاً وناجحا: البساطة وعدم التعقيد - ولا نعني بذلك السطحية-، وغياب المقدِّمات الطويلة، وتوظيف الرموز البصرية، وبتقديري فإن معالجة الفكرة وزاوية المعالجة هما الأهم في عملية البناء، مع التأكيد على ضرورة التكثيف.
ساهم التحول الرقمي في خروج الوثائقيات القصيرة والأفلام القصيرة جدا من "شقِّ العزلة" "بعيدا عن احتكار الشاشات" للعرض؛ فكانت القدرة على تكثيف اللحظة العابرة والتقاطها ومعالجتها بشكل مبتكر كافيةً لجعل الحدث الآني أثراً باقياً في ذاكرتنا المصورة، وكما اختزل الهايكو الكلام الكثير في عباراتٍ مكثفةٍ وقصيرة وموجزة، كانت الوثائقيات القصيرة تنفضُ ركامَ الصور والمواد المصورة؛ لتقدِّمَ لنا مقاربات مختزلة تعمّقُ الشعور والحس الإنساني بالقضايا المُختلفة.
هوامش: