لا تبدو الامتحانات النهائية لطلاب السنة الرابعة في كلية الإعلام بجامعة دمشق مصدر القلق الوحيد المصاحب لساعات دراستهم؛ إذ يمتد هذا القلق نحو التفكير في المستقبل الذي ينتظرهم بعد سنوات لم تكن - من وجهة نظرهم - هي الأفضل في التكوين الأكاديمي والممارسة الميدانية. ويواجه خريجو كلية الإعلام هذا القلق لإدراكهم مدى صعوبة حصولهم على فرصة عمل محلية وهم يرون تضخم أعداد خريجي الإعلام مقابل محدودية الشواغر والفرص في وسائل الإعلام السورية.
وفق دراسة مسحية أعدها المركز السوري لحرية الإعلام والتعبير عام 2020 بعنوان "الإعلام السوري.. خارطة وسائل الإعلام الفاعلة وتقييم الواقع المؤسساتي الناشئ بعد عام 2011" ، كان ينشط في سوريا ما يقرب من 13 محطة تلفزيونية و36 محطة إذاعية و30 صحيفة و67 موقعا إلكترونيا و6 مجلات و10 وكالات أنباء.
ومثلت الوسائل التي تعمل من داخل الأراضي السورية ما نسبته 66% من إجمالي وسائل الإعلام، في حين شكّلت المؤسسات التي تبنّت خطاب الثورة النسبة المتبقية البالغة حوالي 34% ويتركز معظمها خارج سوريا.
في حديث لمجلة الصحافة، يقول الطالب في السنة الرابعة أحمد إبراهيم "التحدي الأكبر خلال دراستي في كلية الإعلام لم يكن دراسيا بقدر ما كان إدراكيا" مُرجعا السبب إلى "الفجوة بين التسارع التكنولوجي الهائل في صناعة الإعلام والبطء الطبيعي للبيئة الأكاديمية في مواكبة هذا التحول" على حد تعبيره.
ويضيف: "تطلب الأمر منا جهدا مضاعفا للتوفيق بين المناهج التقليدية والسعي الذاتي لاستيعاب أدوات العصر مثل خوارزميات البيئة الرقمية"، معتبرا أن "الصعوبة الحقيقية تكمن في بناء الوعي النقدي الذي يسمح بتحقيق توازن بين المبادئ الأكاديمية الراسخة والواقع العملي المرن والخاضع لتحولات دائمة".
في السياق نفسه، تشير الطالبة في قسم الإعلام الإلكتروني سارة خضور إلى أن الصعوبات التي واجهتها تمثّلت في "قلة المصادر المستخدمة في المشاريع وغياب الاهتمام الكافي من أساتذة الكلية بتدريس كيفية جمع المعلومات من المصادر بطريقة صحيحة".
ومن زاوية الممارسة العملية تقول رهف الحراكي طالبة السنة الرابعة في قسم العلاقات العامة والإعلان: "الكلية لا تؤهل الطلاب نهائيا لسوق العمل وهذا ما يدفعنا للبحث عن دورات خارجية مدفوعة والتعلم الذاتي".
"تطلب الأمر منا جهدا مضاعفا للتوفيق بين المناهج التقليدية والسعي الذاتي لاستيعاب أدوات العصر مثل خوارزميات البيئة الرقمية"
المناهج: معضلة الطالب والأستاذ
إذا ما قرر أحد القيام بجولة في كلية الإعلام وطرح أسئلة على كل من الأساتذة والطلبة حول الكلية عموما فسيتفق الجميع على فكرة واحدة: تغيير المناهج وتطويرها.
يبلغ عدد المواد التي يدرسها الطلبة قرابة 40 مادة دراسية موزعة على الأقسام الأربعة، 12 منها مشتركة في السنة الدراسية الأولى تتضمن مقدمات في معظم مجالات الإعلام مثل الإذاعة والتلفزيون والصحافة والعلاقات العامة والتحرير الإعلامي والإعلام الإلكتروني، بينما تصبح أكثر تخصصا في السنوات اللاحقة.
يرى أحمد إبراهيم أن "المناهج تقوم على أسس نظرية وأكاديمية متينة في بعض الجوانب مثل نظريات الاتصال وأخلاقيات المهنة والتفكيك التحليلي للنصوص الإعلامية"، وهذا ما يمنح الطلبة قاعدة فكرية وقدرة على التفكير النقدي، لكنه يلفت إلى أن الصعوبة لا تكمن في تعقيد هذه المواد أو قِدمها بقدر ما تكمن في "ميزان الفاعلية"؛ لأن القيمة الحقيقية للمناهج - حسب قوله - تعتمد كلياً على مدى قدرة الطلبة على ترجمة هذه النظريات إلى ممارسات حية.
لكن سارة خضور - من قسم الإعلام الإلكتروني - ترى أن جودة المناهج لا بأس بها، وتصفها بأنها متوسطة الصعوبة، قائلة: "من الأفضل تقديم معلومات أكثر فائدة للطالب عند وجوده في سوق العمل؛ لأنه مختلف تماما عن الحالة الأكاديمية الموجودة في الجامعات."
إذا ما قرر أحد القيام بجولة في كلية الإعلام وطرح أسئلة على كل من الأساتذة والطلبة حول الكلية عموما فسيتفق الجميع على فكرة واحدة: تغيير المناهج وتطويرها.
بينما وصفت رهف الحراكي المناهج بأنها "عقيمة" ترتكز على تلقين الطالب وتكديس معلومات تاريخية في ورقة الامتحان، ثم تُنسى تماما لعدم جدواها.
وأضافت: "تشرح مادة الكتاب الجامعي آليات إعلامية تقليدية ولا تتناول كيف تُدار المؤسسات الإعلامية والعلاقات العامة اليوم"، متفقة مع سارة على أن التدريس حاليا مختلف تماما عن سوق العمل.
رفض مسؤول إداري وتعليمي في كلية الإعلام التجاوب مع أسئلة "مجلة الصحافة" حول شكوى الطلاب وإمكانية تعديل المناهج إلا بعد الحصول على إذن من رئاسة جامعة دمشق للإدلاء بتصريحات.
في المقابل، تحدث أستاذ في الكلية - رفض الكشف عن هويته لأسباب مهنية - قال: "إن المناهج التعليمية توفر الحد الأدنى أو الأساسيات ويبقى التعويل على الطالب في تطوير ملكاته ومهاراته لدخول سوق العمل، مشيراً إلى أن هناك خطة موضوعة فعلا لتطوير المناهج وتعديلها دون أن يفصح عن تفاصيلها أو موعد إقرارها."
أين يقف الطالب من سوق العمل؟
أما الخريج أحمد إبراهيم فيقول "إن الجامعة منحته البوصلة والأطر الفكرية، وإن الرهان الحقيقي بات معقودا على قدرة الطالب على مواصلة التعلم، وبناء ملف أعمال (بورتفوليو) يثبت كفاءته، ويدعم ما بدأه في التعليم الأكاديمي". ويرى أن سوق العمل الإعلامي لم يعد يبحث عن شهادة أكاديمية أو تخصص ضيق، بل عن »صانع محتوى شامل« يجمع بين الرؤية التحريرية والمهارة التقنية".
يتفق المدرب الصحفي ومدير تحرير جريدة "عنب بلدي" علي عيد مع هذا الطرح إذ يقول "إن الصحفي يجب أن يعمل على تنمية قدراته من الألف إلى الياء وهذا النمط قلّما نجده في سوريا".
وأضاف أن علوم الإعلام لا تحتاج فقط إلى جامعات، بل إلى مواكبة مستمرة للتقنية والتطور، وأن هناك حاجة متكاملة تبدأ بالتعليم والتأهيل وتنتهي بالممارسة والأخلاقيات والمعايير المهنية.
يرى عيد أن السوق الإعلامية في سوريا قادرة على استيعاب عدد من الخريجين قد يصل إلى 200 أو 300 خريج سنويا، وتحديدا من خلال الفرص المتاحة عبر الإعلام الحكومي أو الإعلام الخاص أو في دوائر الدولة عبر مديريات متخصصة أو مكاتب إعلامية تابعة لها، على أن يتمتع الخريج بقدر معقول من الخبرة التي تمكنه من ممارسة العمل الإعلامي، مشيرا إلى وجود ما بين 500 إلى 600 وسيلة إعلام جرى ترخيصها.
وبسؤاله عن كيفية تعامل وسائل الإعلام مع هؤلاء الخريجين، يوضح عيد أن الأمر لا يتعلق فقط بالحصول على شهادة تخرج من قسم أو كلية في علوم الاتصال، بل لا بد أن يكون هذا التعليم مجديا بالدرجة الأولى، إضافة إلى امتلاك الخريجين قدرة على الانخراط في سوق العمل بناء على ما تعلموه.
في دراسة للمركز السوري لحرية الإعلام والتعبير يشير عدد من المشاركين إلى أن القطاع الإعلامي "لم يعد موحداً"، إذ تختلف إمكانية الوصول والتصاريح والهامش التحريري تبعا لكون الوسيلة جديدة أو قديمة أو توجهها السياسي، وهذا ما يؤدي بحسب الدراسة، إلى مشهد إعلامي يتسم بعدم التكافؤ بدلاً من تكافؤ الفرص.
ويتابع "نعلم أن وضع الجامعات في سوريا صعب، خصوصا مع تداعيات 14 سنة من الحرب شهدت تدميرا منهجيا للجامعات وقطاع التعليم العالي". ويعتقد أيضاً أن الخريجين يلاقون صعوبات كبيرة في الانخراط في سوق العمل، كما أن فرصهم تنحسر مقابل أشخاص غير خريجين قادمين من أقسام أخرى أو حتى من خارج القطاع وكانوا خارج مناطق سيطرة نظام الأسد.
ملايين السوريين توزعوا حول أنحاء العالم ومن بينهم طيف واسع من الشباب اطلع على أحدث العلوم في قطاع الصحافة، وهؤلاء غالبا ما يجدون فرصا أكبر من الخريجين بحسب عيد الذي يعتقد أن هناك مشكلات مركبة تؤثر على غالبية الكوادر الإعلامية السورية، خصوصا أولئك الذين بقوا في سوريا طيلة سنين الحرب؛ أبرزها فجوة في القدرات والمهارات بسبب افتقارهم للتقنيات وعدم توفر التكنولوجيا لسنوات طويلة، كذلك عدم دخول مدارس جديدة للتحرير الصحفي وغيرها من الجوانب الإعلامية، مؤكدا الحاجة الملحة إلى إعادة تأهيل وتدريب وتمكين هذه الكوادر.
في دراسة أخرى للمركز السوري لحرية الإعلام والتعبير، بعنوان "حالة الإعلام السوري خلال السنة الأولى من المرحلة الانتقالية السياسية"، يشير بعض المشاركين إلى أن البيئة الإعلامية أصبحت "أكثر انفتاحا ووضوحا" مقارنةً بعهد نظام الأسد، بينما قال آخرون إنها "مجزأة ومتوترة وتزداد اعتمادا على الضغوط غير الرسمية بدلاً من المنع المباشر".
وأشار عدد من المشاركين إلى أن القطاع الإعلامي "لم يعد موحدا"؛ إذ تختلف إمكانية الوصول والتصاريح والهامش التحريري تبعا لكون الوسيلة جديدة أو قديمة أو مستقلة أو مرتبطة سياسيا، وهذا ما يؤدي - بحسب الدراسة - إلى مشهد إعلامي يتسم بعدم تكافؤ الفرص.
مع كل هذه التحديات، تبدي سارة خضور تفاؤلها بالمستقبل قائلة "لدي رؤية إيجابية حول سوق العمل وأعتقد أن هناك فرصا كبيرة لطلاب الإعلام والخريجين، ولكن ما أخشاه أن تستمر قلة فرص التدريب، وألا يحظى التدريب بالاهتمام الكافي الذي يؤهل الطلبة والخريجين".